
1. قصة "الأصمعي والجارية" (فصاحة لا تعرف عمراً)يروي الأصمعي قال: "بينما كنت أسير في بعض سكك البصرة، رأيت جارية صغيرة تحمل قربة ماء، وقد انخرق مكان الرباط فيها، فانسكب الماء، فصاحت بي قائلة: يا عماه، أدركْ شدَّها، فقد غلبني قدُّها، وعيل صبري في ردِّها".
يقول الأصمعي: "فذهلت من فصاحتها وهي في هذا السن الصغير، فقلت لها: يا جارية، ما أفصحكِ! فقالت بذكاء الفطرة: يا عماه، وهل ترك القرآن لأحد فصاحة؟ وفيه آية واحدة فيها خبران، وأمران، ونهيان، وبشارتان!".
سألها الأصمعي متعجباً: "وأي آية هذه؟"، فقالت: "قوله تعالى في سورة القصص: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)".
2. قصة "الحجاج وابن القرية" (البيان الذي ينجي من القتل)كان الحجاج بن يوسف الثقفي معروفاً ببطشه الشديد وفصاحته في الوقت ذاته. وفي أحد الأيام أُحضر إليه رجل من الخوارج يُدعى "ابن القرية" ليقتله. فقال له الحجاج: "تكلم قبل أن أضرب عنقك".
فشرع الرجل يتحدث ببلاغة وسحر بيان أذهل الحجاج والحاضرين، حتى قال الحجاج: "والله لولا ما أنت عليه من كفر لخلّدت ذكرك في العرب". فرد ابن القرية بذكاء لغوي: "أيها الأمير، إنّ من البيان لسحراً، وإنّ الكلمة الطيبة لتستلُّ السخيمة (الحقد) من القلب".
ظل الرجل يتنقل بين فنون اللغة حتى سكن غضب الحجاج، وبدلاً من قتله، أمر له بجائزة وأطلقه، مما جعل العرب يضربون به المثل في أن "اللسان الفصيح قد يطيل العمر".
3. "ذكاء القاضي إياس" (اللغة كأداة للتحقيق)اشتهر القاضي إياس بن معاوية بفراسته اللغوية. يُحكى أن رجلين اختصما إليه في "قطيفة" (كساء من صوف). ادعى أحدهما أنها له، وادعى الآخر كذلك.
سأل إياس الرجل الأول: "ما تقول في هذه القطيفة؟"، فقال: "لي يا قاضي، غسلتها البارحة".
ثم سأل الثاني: "وما تقول أنت؟"، فقال: "لي، وأعرفها منذ زمن".
فأمر القاضي بإحضار مشط، ومشط القطيفة بعناية، فخرج منها وبرٌ ناعم جديد. فقال للرجل الأول: "أنت الكاذب، لو كنت غسلتها البارحة كما زعمت، لما خرج منها هذا الوبر الجديد عند المشط؛ لأن الماء يُلبّد الوبر".
هذه القصة تظهر أن فهم دلالات الألفاظ (كلمة "غسلتها") وربطها بالواقع المادي كان جزءاً من ممارسة العدالة والذكاء العربي.
4. قصة "أكلتُ السمكةَ.. حتى رأسِها" (عجائب الإعراب)هذه ليست قصة تاريخية بقدر ما هي قصة "لغوية" شهيرة تُنسب لسيبويه أو الكسائي لبيان قوة الحركات الإعرابية في تغيير المعنى، وهي جملة: "أكلتُ السمكةَ حتى رأسِها".
العربي الفصيح يمكنه نطق "رأسها" بثلاث حركات، ولكل حركة معنى: